أبي طالب المكي
283
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
قوام النفس في كل ساعة ثلاث لقمات . فإذا أراد أن يأكل الرغيف على هذا التقسيم فليجرع بعد كل ثلاث لقم جرعة ماء . فذلك اثنا عشر جرعة في تضاعيف ستة وثلاثين لقمة . ففي ذلك قوام الجسم وصلاحه في كل يوم وليلة على هذا الترتيب . وقد روينا في مجمل هذا أثرا . كان أبو ذر يقول : كان قوتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا في كل جمعة . والله العظيم لا أزيد عليه حتى ألقاه ، فهذا يكون في كل يوم رطل أو نحوه ، والأصل في جمل ما ذكرناه من التنزل في القوت ما رويناه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل سمين فأومأ إلى بطنه بإصبعه . فقال : لو كان هذا في غيرها كان خيرا لك ، يعني لو قدمته لآخرتك وآثرت به إخوانك فكان في غير جوفك لكان ذلك خيرا لك ، ويعني قلة الطعم خير من كثرته وتجشأ أبو جحيفة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثريد ولحم . قال : كنت أكلته . فقال : اكفف عنا جشاءك . فإن أكثركم شبعا في الدنيا أطولكم جوعا يوم القيامة . قال : فوالله ما ملأت بطني من طعام بعدها إلى يومي هذا ، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي . وقد روينا عن الحسن عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال البسوا الصوف وشمروا وكلوا في إنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء . وروينا عن عيسى عليه السلام : أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعلّ قلوبكم ترى الله عزّ وجلّ . وقد رواه عبد الرحمن بن يحيى الأسود عن طاوس رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : وقيل لأبي يزيد البسطامي وهو أعلى هذه الطائفة إشارة بأي شيء نلت هذه المعرفة ؟ قال : ببطن جائع وجسد عار . وفي التوراة مكتوب : أن الله تبارك وتعالى ليبغض الحبر السمين . وفي بعض الكتب : ويمقت أهل بيت لحمين . وقد جاءا مسندين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق . وقد روينا عن ابن مسعود أنّ الله عزّ وجلّ يبغض القارئ السمين . وفي خبر مرسل : أنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش ، فإذا جعل العبد شبعه بين جوعين كان جوعه أكثر من شبعه وسلم من حديث أبي جحيفة ، ومن كانت له جوعة بعد كل شبعة اعتدل جوعه وشبعه ، ومن أكل يوم في كل مرتين فقد تابع الشبع وتحقق بخبر أبي جحيفة وشبعه ، حينئذ أكثر من جوعه ، وليس ذلك من السنّة وهو من فعل المترفين وقد كانوا يعدونه سرفا . وقد روينا عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا تغدى لم يتعشّ ، وإذا تعشّى لم يتغدّ . وكان السلف يأكلون في كل يوم أكلة . وقد روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها : إياك والإسراف ، فإن أكلتين في يوم من الإسراف . وقد قال الله عزّ وجلّ : * ( والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ) * [ الفرقان : 67 ] فكأنّ أكلتين في يوم